المقريزي
287
رسائل المقريزي
فتجعله في نخاريب الشّهد مكان العسل ، ولا تكثر النحل منه إلا في السّنة المجدبة ، وأكثر ما تأتى بالعكبر من السّدر « 1 » ، والناس يأكلونه كما يؤكل الخبز فيشبع ، ويحملونه في المزاود « 2 » إذا سافروا ، وهو مفسد للعسل ؛ والنّحل تأكله إذا لم تجد غيره . والنحل تشرب من الماء ما كان صافيا عذبا ، وتطلبه حيث كان ، ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه ، فإذا قل العسل في الخلية قرنه بالماء ليكثر ؛ خوفا على نفسه من نفاده . وللنحل نجو « 3 » ، وأكثر ما تقذف إذا كانت تطير في دفعات ؛ لأن في زبلها نتنا ، وهي تكره النتن ؛ فإذا أنجت في الخلية أنجت في موضع معتزل لا يختلط ببنيانها ، ولا يفسد من عسلها شيئا . وإذا امتلأت نخاريب الشهد عسلا ختمتها ، وتختم أيضا ما يكون فيه فراخها من النخاريب بأرقّ الشمع . والختم : أن تسدّ أفواه النخاريب بشمع رقيق ، ليكون الشمع محيطا بالعسل في كل وجه ، وربما لطّخ الختام - بعد الفراغ منه - بشئ أسود شديد السّواد ، حريف الرّيح ، شبيه بالشمع ، وهو من الأدوية الكبار للضّرب « 4 » ، والجروح ، ويسمى بالفارسية : « مياى » ، وهو عزيز قليل . ومن خاصيته أنه يجذب الشوك والنصول ، ويقال : من استصحبه أورثه الغم ، ومنعه الاحتلام . والنحل تحسّ بالبرد والمطر ، وعلامة ذلك لزومها الخليّة . وفي لطف إحساس كثير من الحيوان عجب عجيب ، وإن في ذلك لعبرة لأولى الألباب ، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ « 5 » .
--> ( 1 ) شجر النبق . ( 2 ) المزاود : ما يحمل من أوعية في السفر يوضع فيها الزّاد . انظر . القاموس ( 2 / 490 ) . ( 3 ) النّجو : ما يخرج من البطن من ريح أو غائط ، ومنه نجا فلان أي أحدث . القاموس ( 4 / 333 ) . ( 4 ) للضّرب : اللدغ . القاموس ( 3 / 17 ) . ( 5 ) المؤمنون : 14 .